المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعلوم المتواتر من تاريخ الخلفاء الراشدين


محمـد الشبلي
10-02-2008, 02:13 PM
المعلوم المتواتر من تاريخ الخلفاء الراشدين
رأيت أن أنقُل هذا البحث من منهاج السنّة، إذ كتبه إبن تيمية حتى يكون من السّهل على من لا يعرف بعلم الأسانيد و الروايات، أن يعرِف الصحيح من الباطل. و ذلك أن كلّ ما سيَرِده هنا هو من الثابتِ المتواتر عند المؤرِّخين. و المتواتر هو الذي رواه جمعٌ غفيرٌ كبيرٌ من الناس بحيث يستحيل اتّفاقهم على الكذب. فكل ما عارض هذا فهو مردود. يقول شيخ الإسلام رحمه الله:

من المعلوم المتواتر عند الخاصة و العامة، الذي لم يختلف فيه أهل العلم بالمنقولات و السِّـيَر، أن أبا بكر t لم يطلب الخلافة لا برغبة و لا برهبة، و لا بذل فيها ما يرغب الناس به، و لا شَهَرَ عليهم سيفاً يرهبهم به، و لا كانت له قبيلة و لا أموال تنصره و تقيمه في ذلك كما جرت عادة الملوك أن أقاربهم و مواليهم يعاونونهم، و لا طلبها أيضا بلسانه، و لا قال بايعوني. بل أمَرَ بمبايعة عمر و أبي عبيدة. و من تَخَلَّفَ عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه و لا أكرَهَه على المبايعة، و لا مَنَعَه حقاً له، و لا حَرَّكَ عليهم ساكناً. و هذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة. ثمَّ إن المسلمين بايعوه و دخلو في طاعته، و الذين بايعوه هم الذين بايعو رسول الله r تحت الشجرة، و هم السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضو عنه، و هم أهل الإيمان و الهجرة و الجهاد. و لم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة. و أما علي و سائر بني هاشم، فلا خلاف بين الناس أنهم بايعوه[1]. لكن تخلّف فإنه كان يريد الإمرة لنفسه رضي الله عنهم أجمعين[2].

ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين و المشركين[3]. و لم يقاتل مسلمين، بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الرَّدَّة. و أخذ يزيد الإسلام فتوحاً. و شرع في قتال فارس و الروم، و مات و المسلمون محاصرو دمشق. و خرج منها أزهد مما دخل فيها، لم يستأثر عنهم بشيء و لا أمر له قرابة.

ثم وُلـِّيَ عليهم عمر بن الخطاب، ففـَتحَ الأمصار و قهَرَ الكفار و أعزَّ أهل الإيمان[4]، و أذلَّ أهل النفاق و العدوان، و نشَرَ الإسلام و الدِّين، و بَسَط العدل في العالمين، و وَضَعَ ديوان الخَرَاج و العطاء لأهل الدين، و مَصَرَ الأمصار للمسلمين، و خَرَج منها أزهد ممّا دخل فيها. لم يتلوَّث لهم بمالٍ و لا وَلَّى أحداً من أقاربه ولايةً. فهذا أمرٌ يعرفه كلًّ أحد.

و أما عثمان فإنه بنى على أمرٍ قد استقرَّ قبله بسكينةٍ و حُلمٍ و هُدى و رحمةٍ و كرمٍ. و لم يكن فيه قوّة عمر و لا سياسته، و لا فيه كمال عدله و زهده. فطمع فيه بعض الطّمّع و توسعو في الدنيا. و أدْخلَ من أقاربه في الولاية و المال[5]. و دخلت بسبب أقاربه في الولايات و الأموال أمورٌ أُنكِرت عليه، فتولـَّدَ من رغبةِ بعض الناس في الدنيا، و ضعف خوفهم من الله و منه، و من ضعفه هو، و ما حصل من أقاربه في الولاية و المال، ما أوجب الفتنة. حتى قتل مظلوماً شهيداً.

و تولَّى عليٌّ على إثر ذلك و الفتنة قائمةٌ، و هو عند كثير منهم متلطِّخ بدم عثمان، و الله يعلم براءته مما نسبه إليه الكاذبون عليه، المبغضون لغيره من الصحابة. فإنّ علياً لم يُعِن على قتل عثمان و لا رَضي به كما ثبت عنه. و هو الصّادق أنه قال ذلك. فلم تصْفَ له قلوب كثيرٍ منهم، و لا أمكنه هو قهرهم حتى يطيعوه، و لا اقتضى رأيه أن يكـُفَّ عن القتال حتى ينظر ما يؤول إليه الأمر. بل اقتضى رأيه القتال و ظنّ أنه به تحصل الطاعة و الجماعة. فما زاد الأمر إلا شِدَّةً، و جانِبِه إلا ضعفاً، و جانب من حاربه إلا قوةً، و الأُمَّة إلا افتراقا[6]ً. حتى كان في آخر أمره يطلب هو أن يَكـُفَّ عنه من قاتله، كما كان في أول الأمر يُطلب منه الكفّ.

و ضَعُفت خلافة النبوة ضعفاً أوجَبَ أن تصيرَ مُلكاً[7]. فأقامها معاوية مُلكاً برحمةٍ و حِلمٍ، كما في الحديث المأثور «تكون نُبُوَّة وَ رَحْمَة، ثُمَّ تكون خلافة نبوة و رحمة، ثم يكون مُلك و رحمة، ثم يكون مُلك»[8]. و لم يتولّ أحدٌ من الملوك خيراً من معاوية. فهو خير ملوك الإسلام[9]. و سيرته خيرٌ من سيرة سائر الملوك بعده. و عليٌ آخر الخلفاء الراشدين الذين هم ولايتهم خلافة نبوة و رحمة. و كلٌّ من الخلفاء الأربعة –رضي الله عنهم– يشهد له بأنه من أفضل أولياء الله المتقين. بل هؤلاء الأربعة أفضل خلق الله بعد النبيين[10]. أ.هـ.[11] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

روى الشيعة أن علياً بن أبي طالب سُئِلَ بعد أحد الخُطب من أحد القُرَشيّين، فقال له السائل: «سمعتك تقول في الخطبة أنفاً: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين. فما هما؟». قال: «حبيباي، و عمّاك أبو بكر و عمر، إماما الهدى و شيخا الإسلام، و رجلا قريشٍ، و المقتدى بهما بعد رسول الله r. من اقتدا بهما عُصِم، و من تَبِعَ آثارهما، هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم». تلخيص الشافي (2\428).