رياض السلطان
07-10-2008, 08:53 PM
القضاء و القدر
إن الحمد لله / نحمدُه ، و نستعينُه ، و نستغفرُه / و نعوذُ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئاتِ أعمالِنا / من يهدهِ اللهُ ؛ فلا مضلَّ له / و من يضللْ ؛ فلا هاديَ له / و أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له / و أشهد أن محمداً عبدُه ، و رسوله / ـ صلى الله عليه ، وعلى آله ، وصحبه /
وسلم تسليماً كثيراً ـ .
(( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تقاته / و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون )) ( س )
أما بعد / فستغترب النفوسُ عن الإيمان المنشود / وتنحرفُ إلى مصيِرٍ مشبوه / ونهاياتٍ مؤلمةٍ مخجلة / و ستمتلئُ زوايا القلبِ بالكآبةِ ، والبؤس / ويضيقُ أُفُقُ المؤمنِ بِحُسْنِ الظنِّ بالله ـ تعالى ـ/ وسيصبحُ يقينُهُ ، و توكلُهُ على الله / و ثباتُه على الحقِّ ، والسنَّةِ هزيلاً / كأنحفِ من مِغْزَل /
و أخفِّ من ريشةٍ يتلاعبُ بها الهواء /
سلاحه على الثرى . . . مبعثرٌ محطَّمُ
و صدره ممزقٌ . . . يسيل فوقه الدمُ
ستتمكن من قلب المسلم قسوةُ الهمومِ ، والغموم / و الأحزانِ ، و الأكدار . .
إذا فقدَ المؤمنُ عقيدةَ الإيمانِ بالقضاء والقدر /
لا بد أن تكون في قلبك عقيدةَ يقين ، و تسليم / لا يمازجُها أدنى شكٍ ، أو قلةِ جزمٍ/ بـ(( أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك / و أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك )) /
(( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا )) / (( و خلق كلَّ شيءٍ فقدَّرَهُ تقديراً )) . .
& ولكي تشرقَ نفوسُنا / و تتشافى قلوبُنا من الحيرة / و تبردَ أفئدتُنا من لهيبِ الهمِّ ، والغم / فلتتلقى نفسُك هذه العقيدةَ بالترحاب / و تلجمَ وساوسَ الشيطان / بلجامِ التوكلِ ، والتسليمِ لله ـ تعالى ـ / لذا ؛ فاسمعْ مني هذه الأخبار / عن سيدِ البشر / و أفضلِ ولدِ آدمَ ـ عليهِ الصلاةُ ، والسلام ـ/ ؛ لتدركَ أهميةَ هذهِ العقيدة / عقيدةِ (( الإيمانِ بالقضاءِ ، والقدر )) : (س)
ـ (( عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال / : قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ /: (( لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بالقدرِ خيره و شره / حتى يعلمَ / أنَّ ما أصابه لم يكنْ ليخطئَه / و أنَّ ما أخطأَهُ لم يكنْ ليصيبَه ))/ . أخرجه (( الترمذيُّ )) في سننِه . /
ـ و أخرج (( الترمذيُّ )) ـ أيضاً ـ/ عن رِبْعِيِّ بنِ حِرَاش / عن عليٍّ قال /: قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بأربع /: يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله / و أني رسولُ الله / بعثني بالحق / ويؤمنُ بالموت / و يؤمنُ بالبعث بعد الموت / ويؤمنُ بالقدر )) ./
قال وكيع /: بلغني : أن ربعيَّ بنَ حراشٍ /ـ راوي هذا الحديث ـ/ لم يكذبْ في الإسلام كذبةً [واحدة ]. /
ـ و عند (( الترمذيِّ )) كذلك /. عن عائشةَ قالت /: قال رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( ستةٌ لعنتُهم لعنَهم الله / و كلُّ نبيٍّ كان ـ ذكر منهم /: الزائدُ في كتاب الله / و المكذبُ بقدر الله . . . )) .
ـ و أخرج (( مسلمٌ )) في صحيحه /: (( أنَّ ابنَ عمرَ ـ رضي الله عنهما ـ/ سئِلَ عن أناسٍ لا يؤمنون بالقدر /؛ فقال /: قولوا لهؤلاء /: ابنُ عمرَ منكمْ بريءٌ / و أنتم منه براء / ابنُ عمرَ منكم بريء /، وأنتم منه براء /؛ فو اللهِ لو جاء أحدُهم بعملٍ مثلَ (( أحدٍ ))/ ما تُقُبِلَ منه حتى يؤمنَ بالقدر ))./ ( س )
& ـ أمةَ الإسلام ـ /: إلى الذين أرهقَتْهمْ مشاكلُ هذهِ الحياة / و نزلتْ البلايا بساحتِهمْ / وأنهكت العقباتُ ، والمعوقاتُ مفاصلَ عافيتهم ، وسعادتهم / و تراكمت الهموم في قلوبُهُم / فمن الناسِ / من ابتلاهُ اللهُ بأولادٍ / أصبحوا مجلبةً للمشاكلِ ، والنزاعاتِ ، والخصومات / و منهم من أقعدَهُ المرضُ على الأسرَّةِ البيضاء / قليلَ الحركة / تتوقُ نفسُه للعافية / ليذهبَ ، ويجيءَ في هذه الحياة / كغيره من الناس الأصِّحَّاء / و منهم من ابتلاه اللهُ بدينٍ ، أو فقرٍ ، أو قلةِ يد / فتدورَ عجلةُ حياتِهم في مكانها / فالمالُ قليل / والنفسُ تشتهي / فَحُرِمَ كثيراً من لذَّاتِ الحياة / و منهم مَنْ يسيرُ مع الناس / ولكنْ إما مسحوراً ، أو محسوداً / فَحُرِمَ مودةَ زوجتِهِ ، وهدؤَ بيتِه / أو أصيب بالعقم / فحرم الأطفال ، والذرية / و من باب أولى / من حيلَ بينَهُ ، وبينَ الزواج / أو منع الوظيفة ، و العمل/ وضاق الرزقُ عليه شيئاً قليلاً / و صنفٌ حُرِمَ العلم / فهو إلى الجهلِ أقرب / ابتلاءات من الله / تختلف بحسب الأشخاص ، و الأفراد ، و الأحوال /
لا غرابةَ أن يبتلَ المسلمُ في هذه الحياة /بل إنَّ الابتلاءَ مِنْ علاماتِ / محبةِ الله ـ تعالى ـ للعبد / ولكن إذا فارق المبتلى الصبرَ ، والاحتساب/ ولم يستشعرْ عقيدةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدر/ فهذه هيَ الخسارة / و باللهِ العظيم !/ أنها هي الخسارة / فلا احتسابَ ، و لا صبَر و لا أجر / و لا استشعار لهذه العقيدة الراسخة / سلْ نفسَكَ هلْ أشرقتِ الشمسُ معَ الغيم / ؟ ! أو نزل مطرٌ بلا سحاب ؟ ! أو حيتْ أجسادٌ بلا ماء ؟ !/ ولكن ! مع الإيمان بالقضاء والقدر/ ستنجلي الغيومُ / فسترى عيناك نورَ الشمس / و تنعمَ بألذِّ منْ نزولِ المطر / وتحيى بعقيدةِ الإيمانِ بالقضاءِ والقدر / أشدَّ من حياةِ الأجسادِ بالماءِ الزلال /
صغر اليأسُ لن يرى . . . بين جفنيَّ مقصدَه
بسماتي سخيَّةٌ . . . و جراحي مضمدة
لأنك ستحِسُّ بطعمِ الإيمان / ولذةِ التسليمِ والرضا لأقدارِ الربِّ ـ تبارك ، وتعالى ـ / الذي لا يحمدُ على مكروهٍ سواه /
ـ في سننِ (( الترمذيِّ )) / عن سعدٍ قال /: قال رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( من سعادةِ ابنِ آدمَ رضاه بما قضى الله له /، و من شقاوةِ ابنِ آدمَ تركُهُ استخارةَ الله / و من شقاوةِ ابنِِ آدمَ سخطُهُ بما قضى اللهُ له ( ت ) ))/ .
إذا كان قلبُك خالياً من عقيدةِ الإيمانِ بالقضاءِ ، والقدر / ستُصْبِحُ المصائبُ في قلبك / (( كنِبَاحِ الكلابِ في جنحِ الليل / لا تَبْعَثُ في النفس / إلا الخوفَ ، والهلعَ ، وعدمَ الرضا )) /
لأنَّ بفقدانِ هذهِ العقيدة / كَثُرَتِ الأمراضُ النفسية / وتنوعتْ حالاتُ الاكتئاب / و أضاعت النفوسُ طريقَ السعادةِ في هذه الحياة / .
كان هناك امرأةٌ أصابها تشوُّهٌ في أنفها / مُذْ أنْ كانتْ صغيرة / وأرادتْ أن تتخلَّصَ من هذا التشوُّه/ من أجلِ أن تستمتعَ بجمالِها أمامَ غيرِها / وتريدُ أن تعالجَ من هذه البصمةِ المخجلة / فأقدَمَتْ على عملياتِ التجميل / و حاولتْ أكثرَ من مرة / عبرَ هذهِ العمليات / أنْ تتخلَّصَ من تشوهِ أنفِهَا / ولكنَّ الطبَّ عَجِزَ عن علاجِها / فلما أدركتْ / أنَّ هذا التشوهَ سيظلُّ عالقاً في أنفِها العمرَ كلَّه / لم تستطعْ أن تتحملَ هذه الحقيقة / فانتحرت / وقتلتْ نفسها بنفسها . ./ س
صدقوني !/ هذه صورةٌ مصغرةٌ للانتحارات / التي يُقْدِمُ عليها من لم يوفقْه اللهُ ـ جلَّ و علا ـ/ للإيمانِ بالقضاءِ ، والقدر / على الإنسانِ أن يحلَّ مشاكلَه / ويبذلَ الأسبابَ النافعة /
وقلبهُ قبلَ كلِّ شيءٍ مليءٌ بالرِّضا ، والتسليم لله ـ سبحانه و تعالى ـ /، والصبرِ على قضاءِهِ ، وقدرِه . ./
فأرعنِ سمعَك / لأحدثَك من كلامِ الصادقِ المصدوق/ ـ صلى الله عليه وسلم ـ/ ما يكفي عقلك ، ويشفي صدرك ـ بإذن الله تعالى ـ/ :
ـ (( عن عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاص / قال /: سمعْتُ رسولَ اللِه ـ صلى الله عليه و سلم ـ يقول / (( كتبَ اللهَ مقاديرَ الخلائق /قبلَ أنْ يخلقَ السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفِ سنة / ( ت ) ))/. أخرجه (( مسلم )) في صحيحه ./
ـ (( و عن حذيفةَ بنِ أسيدٍ / [ أنَّ ]الرسولَ ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال /: (( يدخلُ المَلَكُ على النطفةِ / بعد ما تستقر في الرحم / بأربعيَن ، أو خمسةٍ و أربعين ليلة / فيقول / : يا رب ! أشقي أو سعيد ؟/ فيكتبان / [ أي : يكتبُ المَلَكُ بأمر الله ـ تعالى ـ ، وتقديرِه / هل ستكون هذه النطفةُ في الحياة / شقيةً أو سعيدة / فيكتبُ ما يقدره الله ، ويأمُره به ]/، فيقول/ : أيْ ربِّ أذكرٌ أو أنثى ؟/ فيكتبان / ويُكْتَبُ عملُه و أثرُهُ و أجلُهُ و رِزْقُه/
ثم تُطْوَى الصحفُ / فلا يزاد فيها و لا يُنْقَص(ت))/ أخرجه (( مسلم )) في صحيحه ./
ـ و (( عن أسامةَ قال /: كنتَ عندَ النبيِّ ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ إذ جاءه رسولُ إحدى بناتِه/
و عنده سَعْدٌ و أُبَيُّ بنُ كعبٍ و معاذ / فأخبره رسول بنته /أن ابنها يجود بنفسه [ أي: يحتضر / على مشارف الموت ]/ ، فبعث إليها /: (( لله ما أخذ /، ولله ما أعطى /، كلٌّ بأجل ( ت )/
فلتصبر و لتحتسب ))/. أخرجه (( البخاري في صحيحه )) ./
ـ و عن ابنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ/ أنَّ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :/ ((خلق اللهُ كلَّ نفسٍ / فكتب حياتها و رزقها و مصائبها ( ت )))/ . أخرجه (( الترمذي )) في سننه .
ـ [ و ](( عن المعْرورِ بنِ سُويدٍ / عن عبد الله/ قال /: قالت أمُّ حبيبةَ زوجُ النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( اللهمَّ ! أمتعني بزوجي رسولَ الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ/
و بأبي أبي سفيان ،/ و بأخي معاوية / قال / فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها/ (( قد سألتِ اللهَ لآجالٍ مضروبةٍ / و أيامٍ معدودةٍ / و أرزاقٍ مقسومة / لن يُعجِّلَ [ اللهُ ] شيئاً قبل حلِّه / أو يؤخِّرَ [ اللهُ ] شيئاً عن حلِّه ( ت )/ ولو كنت سألتِ الله / أن يعيذَك من عذابٍ في النار / أو عذابٍ في القبر / كان خيراً أو أفضل ))./ أخرجه (( مسلمٌ )) في صحيحه . /
ـ وعن أبي هريرة قال : قال لي النبيُّ ـ صلى الله عليه و سلم ـ : (( جفَّ القلمُ بما أنت لاقٍ )) ( ت )أخرجه (( البخاري )) في صحيحه . .
أ ي : رفعتِ الأقلام ،و جفتِ الصحف / بما كتبه الله لك ، أو عليك . .
من سراء : خفقت في جوانحك / فتأللتْ شعلةُ الفرح ، والسرور على محياك . .
من عبادة ، أو مال ، أو صحة ، أو منصب / أو سمعة حسنة / أو قرةِ عين من زوج ، أو ذرية
أو ضراء : و ثبت على صفحة الوجه / فأذابتْ ألوانَ البهجة ، والنضرة / فتورمتْ عروقُ الهمِّ حول عينيه ؛ فخفت نوره ، و تهالك ذكره . .
ربِّ ضاقتْ ملاعبي . . . في الدروب المقيَّدةْ
أنا عمرٌ مخضَّبٌ . . . و أمانٍ مشردةْ
إي ، و ربي ! / جفَّ القلم بما سنلقاه / من سراءَ ، أو ضراء / أو خيرٍ ، أو شر . .
فالكل بقضاء الله ، و قدره . .
قال الباري ـ تبارك و تعالى ـ في سورة (( الحديد )) : (( ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم / إلا في كتاب من قبل أن نبرأها / إن ذلك على الله يسير ( 22 ) لكيلا تأسوا على ما فاتكم / و لا تفرحوا بما آتاكم / و الله لا يحب كل مختال فخور ( 23 ) ))
نعم ! هذا منهج أهل السنة ، و الجماعة /: أن نؤمنَ بالقضاءِ ، والقدر / وأنه ركنٌ من أركانِ الإيمان / لا يتمُّ إيمانُ أحدٍ إلا به / ولكنْ لا نتَّكلْ ، و نتواكل / ونقولُ ما كتبه لنا ، أو علينا سيأتينا/ دون اتخاذ الأسباب / في جلبِ ما ينفعُنا ، و دفعِ ما يضرُّنا / . ( س )
& ـ إخوة الإيمان ـ أقول قولي هذا / فما كان من صوابٍ ؛ فمن الله / و ما كان من قصورٍ ؛ فمن نفسي ، والشيطان / واستغفر الله العظيم .
( الخطبة الثانية )
الحمد لله / لا هاديَ لمن أضلّ / و لا ضالَّ لمن هدى / لا ما نعَ لما أعطى / و لا معطيَ لما منع /
و الصلاةُ ، والسلامُ على أشرفِ الخلقِ جمعاء / محمدُ بنُ عبدِ الله / عليه و على آلهِ أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ السلام / .
أما بعد / فإن الانحرافَ ، وعدمَ الاستقامةِ / بريدٌ مُسْتَعْجَلٌ للخسارةِ ، والهلكة / فالعاقلُ الباصر / تعتريه الوحشةُ ، و الألم / عندما يرى فيمن يحب / من ولدٍ ، أو زوج / أو أخٍ أو تلميذ / انحرافاً ، و سلوكياتٍ مخالفة / فيضطربُ هدؤُه / عندما يرى الإيمانَ يأبِقُ من قلوبهم / وينشغلون بصوارفِ الشيطانِ / من المعاصي ، والملهيات / أصبحتْ قلوبُهم أبابيل / ذهلُوا عن نداءِ الفطرةِ في داخلهم / من اتباعِ الكتابِ ، والسنة / فتسنمها الظلام ، و علاها الران / بدلَ أن يكونَ النورُ يهفهفُ في جنباتِ قلوبهم / و مداخلِ أفئدتهم . .
إذا بذلتَ الأسبابَ في هدايتِهم / من تربيةٍ صالحة / و متابعةٍ تبرأُ بها الذمة / و لم ترَ ما كنتَ ترجوه منهم / من التزام ، واستقامة / فاعلم أنه لن يهتدي أحد إلا برحمة الله / و لن ينحرف ، و يضل أحد إلا بحكمة الله / لأن القضاء ، والقدر / بين حكمةِ اللهِ ، ورحمتِه / لذا فإن الله كتبَ على الإنسانِ قبلَ أن يولد / بلْ قبلَ أَنْ تخلقَ البشريةُ كلُّهَا /
مَنْ سيكونُ مؤمناً ، أو كافرا / و مَنْ سيكونُ مهتدياً ، أو منحرفاً / فلا يلفُّك جلبابُ الاستغرابِ ، والاستعجام / من هذا الكلام / فاحفظ عني / ما يذهب عنك الدهشة / و يشبع الرغبة / مما صح من كلام النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ في هذه المسألة :
حسبي من الينبوعِ جرعةُ عابرِ ( س )
ـ (( / عن عليٍّ ، قال /: كنا في جِنازةٍ في بقيعِ الغرقد /، فأتانا رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ/ فقعدَ وقعدْنا حولَه / ثم قال /: (( ما منكم من أحد /، ما من نفس منفوسة /، إلا و قد كتب اللُه مكانها من الجنةِ أو النار / إلا وقد كُتِبَتْ شقيةٌ أوْ سعيدة ))/
قال : فقال رجل : يا رسول الله /! أفلا نمكث على كتابنا / [ أي :على ما كتب الله لنا ، أو علينا]/،
وندعُ العمل / [ أي : فعلَ الأسباب الموصلة إلى النجاة ، والفوزِ بالجنة ]/؟ (( . فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في رواية (( البخاري )) : (( لا ، اعملوا فكلٌّ ميسر [ لما خلق له ] / أمَّا أهلُ السعادة / فيُيَسرون لعملِ أهلِ السعادة / و أما أهل الشقاوة / فيُيَسَّرُونَ لعملِ أهلِ الشَّقَاوَة )) /. ثم قرأ :/ (( فأمَّا مَنْ أعْطَى و اتقى /. وصدق بالحسنى /. فسنيسره لليسرى /. و أما من بخل و استغنى /. وكذب بالحسنى /. فسنيسره للعسرى ))/ . أخرجه (( مسلم )) في صحيحه .
ـ عن عائشة أمِّ المؤمنين / قالت / : تُوفِّيَ صبيٌّ ، فقلت / : طوبى له / عصفورٌ من عصافيرِ الجنة /
فقال رسولُ الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ / : (( أوَ لا تدرينَ أن الله / خلق الجنة ، و خلق النار /
فخلقَ لهذه أهلاً ، و لهذه أهلا )) أخرجه (( مسلم )) في صحيحه .
ـ و أخرجَ (( البخاريُّ )) في صحيحه /: عن البراءِ بنِ عازبٍ قال /: رأيت النبيَّ ـ صلى اللهُ عليهِ و سلم ـ يومَ الخندق / ينقُلُ معنا الترابَ ، وهو يقول /:
(( و اللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا
و لا صمْنا و لا صلينا ( ت )
فأنزلنْ سكينةً علينا
و ثبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقينا
و المشركون قد بغوا علينا
إِذَا أرادوا فتنةً أبينا )) .
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخبرُنا / أنهُ لولا توفيقُ اللهِ لهُ ، ولصحابتِه / لما اهتدَوا ولا أسلمُوا / بل لما صامُوا ، ولا صلَّوا / مع أن الصيام ، والصلاة / من الأركان التي لا يسلم المرء إلا بفعلها / والقيام بها.
ـ عن أبي هريرة قال / قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ /: (( احتجَّ آدمُ و موسى عليهما السلامُ عند ربِّهما / فحجَّ آدمُ موسى / قال موسى / : أنت آدم / الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، و أسجد لك ملائكتَه ، و أسكنك في جنتِه ، ثم أهبطتَ الناسَ بخطيئتِك إلى الأرض ؟ قال آدم عليه السلام : أنت موسى / الذي اصطفاك الله برسالاته و بكلامه / و أعطاك الألواحَ / فيها تبيانُ كلِّ شيء / و قربك نجياً / فبكم و جدتَ الله / كتب التوراةَ قبل أن أُخْلَق ؟ قال موسى : بأربعين عاماً / قال آدم : فهل وجدت فيها : (( و عصى آدم ربه فغوى )) ؟ / . قال : نعم ./ قال [ آدم ] : / أفتلُومُنِي على أن عملت عملاً / كتبه الله عليَّ أن أعمله / قبل أن يخلقَني بأربعين سنة ؟ ( ت ) قال رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( فحجَّ آدمُ موسى )) . أخرجه (( البخاري ، و مسلم ))
لكن الذي علينا بعد الإيمان بقضاء الله ، و قدرِه / فعلُ الأسباب / لأننا آثمون على تقصيرنا في الأخذ بها / و من باب أولى / تركُها ، و تنكبُها . . ( س )
هذا وصلوا وسلموا / على صاحب الحوض ، والشفاعة / (( محمدِ بنِ عبد الله )) / صلى الله عليه وعلى آله وصحبه / وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .
اللهم أحيينا ، و أزواجَنا ، و أولادَنا ، و أهلَنا حياةَ السعداء / وأمتنا ميتةَ الشهداء ، و احشرنا يوم القيامة مع النبيين ، والصديقين ، والشهداء والصالحين . .
اللهم انصر مجاهدنا . .
وأغنِ فقيرنا . .
وانصر مظلومنا ..
اللهم ارحم موتانا ، و موتى المسلمين ( ت )
اللهم يا من ردَّ البصر على يعقوب ، وشفى من المرض أيوب ، وألانا الحديد لداود ، وجعل النار برداً ، وسلاماً على إبراهيم ، يا من أضحك ، وأبكى ، وأمات ، وأحيا اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ( ت ) . .
اللهم اهدِ وليَّ أمرِنا / و خذ بناصيته إلى البر ، والتقوى . .
اللهم يسرنا لليسرى ،وجنبنا العسرى ، واجمع لنا بين سعادة الدين ، والدنيا ، والأخرى . .
اللهم اهدنا ، وأولادنا ، و أزواجنا / إلى حفظ كتابِك الكريم / و علمَه ، والعملَ به . .
اللهم كما جمعتَنِي ، وهذه الوجوهِ المباركة / في هذا المكانِ المباركِ الطاهر / اللهم اجعلْ اجتماعي ، واجتماعََهم / و من لنا حقٌ عليه / ومن له حق علينا / في الفردوسِ الأعلى من الجنة ـ يا ذا الجلال ، والإكرام ـ .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .
17 / 1 / 1427 هـ
جامع (( الرضوان ))
إن الحمد لله / نحمدُه ، و نستعينُه ، و نستغفرُه / و نعوذُ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئاتِ أعمالِنا / من يهدهِ اللهُ ؛ فلا مضلَّ له / و من يضللْ ؛ فلا هاديَ له / و أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له / و أشهد أن محمداً عبدُه ، و رسوله / ـ صلى الله عليه ، وعلى آله ، وصحبه /
وسلم تسليماً كثيراً ـ .
(( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقَّ تقاته / و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون )) ( س )
أما بعد / فستغترب النفوسُ عن الإيمان المنشود / وتنحرفُ إلى مصيِرٍ مشبوه / ونهاياتٍ مؤلمةٍ مخجلة / و ستمتلئُ زوايا القلبِ بالكآبةِ ، والبؤس / ويضيقُ أُفُقُ المؤمنِ بِحُسْنِ الظنِّ بالله ـ تعالى ـ/ وسيصبحُ يقينُهُ ، و توكلُهُ على الله / و ثباتُه على الحقِّ ، والسنَّةِ هزيلاً / كأنحفِ من مِغْزَل /
و أخفِّ من ريشةٍ يتلاعبُ بها الهواء /
سلاحه على الثرى . . . مبعثرٌ محطَّمُ
و صدره ممزقٌ . . . يسيل فوقه الدمُ
ستتمكن من قلب المسلم قسوةُ الهمومِ ، والغموم / و الأحزانِ ، و الأكدار . .
إذا فقدَ المؤمنُ عقيدةَ الإيمانِ بالقضاء والقدر /
لا بد أن تكون في قلبك عقيدةَ يقين ، و تسليم / لا يمازجُها أدنى شكٍ ، أو قلةِ جزمٍ/ بـ(( أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك / و أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك )) /
(( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا )) / (( و خلق كلَّ شيءٍ فقدَّرَهُ تقديراً )) . .
& ولكي تشرقَ نفوسُنا / و تتشافى قلوبُنا من الحيرة / و تبردَ أفئدتُنا من لهيبِ الهمِّ ، والغم / فلتتلقى نفسُك هذه العقيدةَ بالترحاب / و تلجمَ وساوسَ الشيطان / بلجامِ التوكلِ ، والتسليمِ لله ـ تعالى ـ / لذا ؛ فاسمعْ مني هذه الأخبار / عن سيدِ البشر / و أفضلِ ولدِ آدمَ ـ عليهِ الصلاةُ ، والسلام ـ/ ؛ لتدركَ أهميةَ هذهِ العقيدة / عقيدةِ (( الإيمانِ بالقضاءِ ، والقدر )) : (س)
ـ (( عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال / : قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ /: (( لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بالقدرِ خيره و شره / حتى يعلمَ / أنَّ ما أصابه لم يكنْ ليخطئَه / و أنَّ ما أخطأَهُ لم يكنْ ليصيبَه ))/ . أخرجه (( الترمذيُّ )) في سننِه . /
ـ و أخرج (( الترمذيُّ )) ـ أيضاً ـ/ عن رِبْعِيِّ بنِ حِرَاش / عن عليٍّ قال /: قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بأربع /: يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله / و أني رسولُ الله / بعثني بالحق / ويؤمنُ بالموت / و يؤمنُ بالبعث بعد الموت / ويؤمنُ بالقدر )) ./
قال وكيع /: بلغني : أن ربعيَّ بنَ حراشٍ /ـ راوي هذا الحديث ـ/ لم يكذبْ في الإسلام كذبةً [واحدة ]. /
ـ و عند (( الترمذيِّ )) كذلك /. عن عائشةَ قالت /: قال رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( ستةٌ لعنتُهم لعنَهم الله / و كلُّ نبيٍّ كان ـ ذكر منهم /: الزائدُ في كتاب الله / و المكذبُ بقدر الله . . . )) .
ـ و أخرج (( مسلمٌ )) في صحيحه /: (( أنَّ ابنَ عمرَ ـ رضي الله عنهما ـ/ سئِلَ عن أناسٍ لا يؤمنون بالقدر /؛ فقال /: قولوا لهؤلاء /: ابنُ عمرَ منكمْ بريءٌ / و أنتم منه براء / ابنُ عمرَ منكم بريء /، وأنتم منه براء /؛ فو اللهِ لو جاء أحدُهم بعملٍ مثلَ (( أحدٍ ))/ ما تُقُبِلَ منه حتى يؤمنَ بالقدر ))./ ( س )
& ـ أمةَ الإسلام ـ /: إلى الذين أرهقَتْهمْ مشاكلُ هذهِ الحياة / و نزلتْ البلايا بساحتِهمْ / وأنهكت العقباتُ ، والمعوقاتُ مفاصلَ عافيتهم ، وسعادتهم / و تراكمت الهموم في قلوبُهُم / فمن الناسِ / من ابتلاهُ اللهُ بأولادٍ / أصبحوا مجلبةً للمشاكلِ ، والنزاعاتِ ، والخصومات / و منهم من أقعدَهُ المرضُ على الأسرَّةِ البيضاء / قليلَ الحركة / تتوقُ نفسُه للعافية / ليذهبَ ، ويجيءَ في هذه الحياة / كغيره من الناس الأصِّحَّاء / و منهم من ابتلاه اللهُ بدينٍ ، أو فقرٍ ، أو قلةِ يد / فتدورَ عجلةُ حياتِهم في مكانها / فالمالُ قليل / والنفسُ تشتهي / فَحُرِمَ كثيراً من لذَّاتِ الحياة / و منهم مَنْ يسيرُ مع الناس / ولكنْ إما مسحوراً ، أو محسوداً / فَحُرِمَ مودةَ زوجتِهِ ، وهدؤَ بيتِه / أو أصيب بالعقم / فحرم الأطفال ، والذرية / و من باب أولى / من حيلَ بينَهُ ، وبينَ الزواج / أو منع الوظيفة ، و العمل/ وضاق الرزقُ عليه شيئاً قليلاً / و صنفٌ حُرِمَ العلم / فهو إلى الجهلِ أقرب / ابتلاءات من الله / تختلف بحسب الأشخاص ، و الأفراد ، و الأحوال /
لا غرابةَ أن يبتلَ المسلمُ في هذه الحياة /بل إنَّ الابتلاءَ مِنْ علاماتِ / محبةِ الله ـ تعالى ـ للعبد / ولكن إذا فارق المبتلى الصبرَ ، والاحتساب/ ولم يستشعرْ عقيدةَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدر/ فهذه هيَ الخسارة / و باللهِ العظيم !/ أنها هي الخسارة / فلا احتسابَ ، و لا صبَر و لا أجر / و لا استشعار لهذه العقيدة الراسخة / سلْ نفسَكَ هلْ أشرقتِ الشمسُ معَ الغيم / ؟ ! أو نزل مطرٌ بلا سحاب ؟ ! أو حيتْ أجسادٌ بلا ماء ؟ !/ ولكن ! مع الإيمان بالقضاء والقدر/ ستنجلي الغيومُ / فسترى عيناك نورَ الشمس / و تنعمَ بألذِّ منْ نزولِ المطر / وتحيى بعقيدةِ الإيمانِ بالقضاءِ والقدر / أشدَّ من حياةِ الأجسادِ بالماءِ الزلال /
صغر اليأسُ لن يرى . . . بين جفنيَّ مقصدَه
بسماتي سخيَّةٌ . . . و جراحي مضمدة
لأنك ستحِسُّ بطعمِ الإيمان / ولذةِ التسليمِ والرضا لأقدارِ الربِّ ـ تبارك ، وتعالى ـ / الذي لا يحمدُ على مكروهٍ سواه /
ـ في سننِ (( الترمذيِّ )) / عن سعدٍ قال /: قال رسولُ اللهِ ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( من سعادةِ ابنِ آدمَ رضاه بما قضى الله له /، و من شقاوةِ ابنِ آدمَ تركُهُ استخارةَ الله / و من شقاوةِ ابنِِ آدمَ سخطُهُ بما قضى اللهُ له ( ت ) ))/ .
إذا كان قلبُك خالياً من عقيدةِ الإيمانِ بالقضاءِ ، والقدر / ستُصْبِحُ المصائبُ في قلبك / (( كنِبَاحِ الكلابِ في جنحِ الليل / لا تَبْعَثُ في النفس / إلا الخوفَ ، والهلعَ ، وعدمَ الرضا )) /
لأنَّ بفقدانِ هذهِ العقيدة / كَثُرَتِ الأمراضُ النفسية / وتنوعتْ حالاتُ الاكتئاب / و أضاعت النفوسُ طريقَ السعادةِ في هذه الحياة / .
كان هناك امرأةٌ أصابها تشوُّهٌ في أنفها / مُذْ أنْ كانتْ صغيرة / وأرادتْ أن تتخلَّصَ من هذا التشوُّه/ من أجلِ أن تستمتعَ بجمالِها أمامَ غيرِها / وتريدُ أن تعالجَ من هذه البصمةِ المخجلة / فأقدَمَتْ على عملياتِ التجميل / و حاولتْ أكثرَ من مرة / عبرَ هذهِ العمليات / أنْ تتخلَّصَ من تشوهِ أنفِهَا / ولكنَّ الطبَّ عَجِزَ عن علاجِها / فلما أدركتْ / أنَّ هذا التشوهَ سيظلُّ عالقاً في أنفِها العمرَ كلَّه / لم تستطعْ أن تتحملَ هذه الحقيقة / فانتحرت / وقتلتْ نفسها بنفسها . ./ س
صدقوني !/ هذه صورةٌ مصغرةٌ للانتحارات / التي يُقْدِمُ عليها من لم يوفقْه اللهُ ـ جلَّ و علا ـ/ للإيمانِ بالقضاءِ ، والقدر / على الإنسانِ أن يحلَّ مشاكلَه / ويبذلَ الأسبابَ النافعة /
وقلبهُ قبلَ كلِّ شيءٍ مليءٌ بالرِّضا ، والتسليم لله ـ سبحانه و تعالى ـ /، والصبرِ على قضاءِهِ ، وقدرِه . ./
فأرعنِ سمعَك / لأحدثَك من كلامِ الصادقِ المصدوق/ ـ صلى الله عليه وسلم ـ/ ما يكفي عقلك ، ويشفي صدرك ـ بإذن الله تعالى ـ/ :
ـ (( عن عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاص / قال /: سمعْتُ رسولَ اللِه ـ صلى الله عليه و سلم ـ يقول / (( كتبَ اللهَ مقاديرَ الخلائق /قبلَ أنْ يخلقَ السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفِ سنة / ( ت ) ))/. أخرجه (( مسلم )) في صحيحه ./
ـ (( و عن حذيفةَ بنِ أسيدٍ / [ أنَّ ]الرسولَ ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال /: (( يدخلُ المَلَكُ على النطفةِ / بعد ما تستقر في الرحم / بأربعيَن ، أو خمسةٍ و أربعين ليلة / فيقول / : يا رب ! أشقي أو سعيد ؟/ فيكتبان / [ أي : يكتبُ المَلَكُ بأمر الله ـ تعالى ـ ، وتقديرِه / هل ستكون هذه النطفةُ في الحياة / شقيةً أو سعيدة / فيكتبُ ما يقدره الله ، ويأمُره به ]/، فيقول/ : أيْ ربِّ أذكرٌ أو أنثى ؟/ فيكتبان / ويُكْتَبُ عملُه و أثرُهُ و أجلُهُ و رِزْقُه/
ثم تُطْوَى الصحفُ / فلا يزاد فيها و لا يُنْقَص(ت))/ أخرجه (( مسلم )) في صحيحه ./
ـ و (( عن أسامةَ قال /: كنتَ عندَ النبيِّ ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ إذ جاءه رسولُ إحدى بناتِه/
و عنده سَعْدٌ و أُبَيُّ بنُ كعبٍ و معاذ / فأخبره رسول بنته /أن ابنها يجود بنفسه [ أي: يحتضر / على مشارف الموت ]/ ، فبعث إليها /: (( لله ما أخذ /، ولله ما أعطى /، كلٌّ بأجل ( ت )/
فلتصبر و لتحتسب ))/. أخرجه (( البخاري في صحيحه )) ./
ـ و عن ابنِ مسعودٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ/ أنَّ رسولَ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :/ ((خلق اللهُ كلَّ نفسٍ / فكتب حياتها و رزقها و مصائبها ( ت )))/ . أخرجه (( الترمذي )) في سننه .
ـ [ و ](( عن المعْرورِ بنِ سُويدٍ / عن عبد الله/ قال /: قالت أمُّ حبيبةَ زوجُ النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ/ : (( اللهمَّ ! أمتعني بزوجي رسولَ الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ/
و بأبي أبي سفيان ،/ و بأخي معاوية / قال / فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها/ (( قد سألتِ اللهَ لآجالٍ مضروبةٍ / و أيامٍ معدودةٍ / و أرزاقٍ مقسومة / لن يُعجِّلَ [ اللهُ ] شيئاً قبل حلِّه / أو يؤخِّرَ [ اللهُ ] شيئاً عن حلِّه ( ت )/ ولو كنت سألتِ الله / أن يعيذَك من عذابٍ في النار / أو عذابٍ في القبر / كان خيراً أو أفضل ))./ أخرجه (( مسلمٌ )) في صحيحه . /
ـ وعن أبي هريرة قال : قال لي النبيُّ ـ صلى الله عليه و سلم ـ : (( جفَّ القلمُ بما أنت لاقٍ )) ( ت )أخرجه (( البخاري )) في صحيحه . .
أ ي : رفعتِ الأقلام ،و جفتِ الصحف / بما كتبه الله لك ، أو عليك . .
من سراء : خفقت في جوانحك / فتأللتْ شعلةُ الفرح ، والسرور على محياك . .
من عبادة ، أو مال ، أو صحة ، أو منصب / أو سمعة حسنة / أو قرةِ عين من زوج ، أو ذرية
أو ضراء : و ثبت على صفحة الوجه / فأذابتْ ألوانَ البهجة ، والنضرة / فتورمتْ عروقُ الهمِّ حول عينيه ؛ فخفت نوره ، و تهالك ذكره . .
ربِّ ضاقتْ ملاعبي . . . في الدروب المقيَّدةْ
أنا عمرٌ مخضَّبٌ . . . و أمانٍ مشردةْ
إي ، و ربي ! / جفَّ القلم بما سنلقاه / من سراءَ ، أو ضراء / أو خيرٍ ، أو شر . .
فالكل بقضاء الله ، و قدره . .
قال الباري ـ تبارك و تعالى ـ في سورة (( الحديد )) : (( ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم / إلا في كتاب من قبل أن نبرأها / إن ذلك على الله يسير ( 22 ) لكيلا تأسوا على ما فاتكم / و لا تفرحوا بما آتاكم / و الله لا يحب كل مختال فخور ( 23 ) ))
نعم ! هذا منهج أهل السنة ، و الجماعة /: أن نؤمنَ بالقضاءِ ، والقدر / وأنه ركنٌ من أركانِ الإيمان / لا يتمُّ إيمانُ أحدٍ إلا به / ولكنْ لا نتَّكلْ ، و نتواكل / ونقولُ ما كتبه لنا ، أو علينا سيأتينا/ دون اتخاذ الأسباب / في جلبِ ما ينفعُنا ، و دفعِ ما يضرُّنا / . ( س )
& ـ إخوة الإيمان ـ أقول قولي هذا / فما كان من صوابٍ ؛ فمن الله / و ما كان من قصورٍ ؛ فمن نفسي ، والشيطان / واستغفر الله العظيم .
( الخطبة الثانية )
الحمد لله / لا هاديَ لمن أضلّ / و لا ضالَّ لمن هدى / لا ما نعَ لما أعطى / و لا معطيَ لما منع /
و الصلاةُ ، والسلامُ على أشرفِ الخلقِ جمعاء / محمدُ بنُ عبدِ الله / عليه و على آلهِ أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ السلام / .
أما بعد / فإن الانحرافَ ، وعدمَ الاستقامةِ / بريدٌ مُسْتَعْجَلٌ للخسارةِ ، والهلكة / فالعاقلُ الباصر / تعتريه الوحشةُ ، و الألم / عندما يرى فيمن يحب / من ولدٍ ، أو زوج / أو أخٍ أو تلميذ / انحرافاً ، و سلوكياتٍ مخالفة / فيضطربُ هدؤُه / عندما يرى الإيمانَ يأبِقُ من قلوبهم / وينشغلون بصوارفِ الشيطانِ / من المعاصي ، والملهيات / أصبحتْ قلوبُهم أبابيل / ذهلُوا عن نداءِ الفطرةِ في داخلهم / من اتباعِ الكتابِ ، والسنة / فتسنمها الظلام ، و علاها الران / بدلَ أن يكونَ النورُ يهفهفُ في جنباتِ قلوبهم / و مداخلِ أفئدتهم . .
إذا بذلتَ الأسبابَ في هدايتِهم / من تربيةٍ صالحة / و متابعةٍ تبرأُ بها الذمة / و لم ترَ ما كنتَ ترجوه منهم / من التزام ، واستقامة / فاعلم أنه لن يهتدي أحد إلا برحمة الله / و لن ينحرف ، و يضل أحد إلا بحكمة الله / لأن القضاء ، والقدر / بين حكمةِ اللهِ ، ورحمتِه / لذا فإن الله كتبَ على الإنسانِ قبلَ أن يولد / بلْ قبلَ أَنْ تخلقَ البشريةُ كلُّهَا /
مَنْ سيكونُ مؤمناً ، أو كافرا / و مَنْ سيكونُ مهتدياً ، أو منحرفاً / فلا يلفُّك جلبابُ الاستغرابِ ، والاستعجام / من هذا الكلام / فاحفظ عني / ما يذهب عنك الدهشة / و يشبع الرغبة / مما صح من كلام النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ في هذه المسألة :
حسبي من الينبوعِ جرعةُ عابرِ ( س )
ـ (( / عن عليٍّ ، قال /: كنا في جِنازةٍ في بقيعِ الغرقد /، فأتانا رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ/ فقعدَ وقعدْنا حولَه / ثم قال /: (( ما منكم من أحد /، ما من نفس منفوسة /، إلا و قد كتب اللُه مكانها من الجنةِ أو النار / إلا وقد كُتِبَتْ شقيةٌ أوْ سعيدة ))/
قال : فقال رجل : يا رسول الله /! أفلا نمكث على كتابنا / [ أي :على ما كتب الله لنا ، أو علينا]/،
وندعُ العمل / [ أي : فعلَ الأسباب الموصلة إلى النجاة ، والفوزِ بالجنة ]/؟ (( . فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في رواية (( البخاري )) : (( لا ، اعملوا فكلٌّ ميسر [ لما خلق له ] / أمَّا أهلُ السعادة / فيُيَسرون لعملِ أهلِ السعادة / و أما أهل الشقاوة / فيُيَسَّرُونَ لعملِ أهلِ الشَّقَاوَة )) /. ثم قرأ :/ (( فأمَّا مَنْ أعْطَى و اتقى /. وصدق بالحسنى /. فسنيسره لليسرى /. و أما من بخل و استغنى /. وكذب بالحسنى /. فسنيسره للعسرى ))/ . أخرجه (( مسلم )) في صحيحه .
ـ عن عائشة أمِّ المؤمنين / قالت / : تُوفِّيَ صبيٌّ ، فقلت / : طوبى له / عصفورٌ من عصافيرِ الجنة /
فقال رسولُ الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ / : (( أوَ لا تدرينَ أن الله / خلق الجنة ، و خلق النار /
فخلقَ لهذه أهلاً ، و لهذه أهلا )) أخرجه (( مسلم )) في صحيحه .
ـ و أخرجَ (( البخاريُّ )) في صحيحه /: عن البراءِ بنِ عازبٍ قال /: رأيت النبيَّ ـ صلى اللهُ عليهِ و سلم ـ يومَ الخندق / ينقُلُ معنا الترابَ ، وهو يقول /:
(( و اللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا
و لا صمْنا و لا صلينا ( ت )
فأنزلنْ سكينةً علينا
و ثبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقينا
و المشركون قد بغوا علينا
إِذَا أرادوا فتنةً أبينا )) .
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخبرُنا / أنهُ لولا توفيقُ اللهِ لهُ ، ولصحابتِه / لما اهتدَوا ولا أسلمُوا / بل لما صامُوا ، ولا صلَّوا / مع أن الصيام ، والصلاة / من الأركان التي لا يسلم المرء إلا بفعلها / والقيام بها.
ـ عن أبي هريرة قال / قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ /: (( احتجَّ آدمُ و موسى عليهما السلامُ عند ربِّهما / فحجَّ آدمُ موسى / قال موسى / : أنت آدم / الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، و أسجد لك ملائكتَه ، و أسكنك في جنتِه ، ثم أهبطتَ الناسَ بخطيئتِك إلى الأرض ؟ قال آدم عليه السلام : أنت موسى / الذي اصطفاك الله برسالاته و بكلامه / و أعطاك الألواحَ / فيها تبيانُ كلِّ شيء / و قربك نجياً / فبكم و جدتَ الله / كتب التوراةَ قبل أن أُخْلَق ؟ قال موسى : بأربعين عاماً / قال آدم : فهل وجدت فيها : (( و عصى آدم ربه فغوى )) ؟ / . قال : نعم ./ قال [ آدم ] : / أفتلُومُنِي على أن عملت عملاً / كتبه الله عليَّ أن أعمله / قبل أن يخلقَني بأربعين سنة ؟ ( ت ) قال رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( فحجَّ آدمُ موسى )) . أخرجه (( البخاري ، و مسلم ))
لكن الذي علينا بعد الإيمان بقضاء الله ، و قدرِه / فعلُ الأسباب / لأننا آثمون على تقصيرنا في الأخذ بها / و من باب أولى / تركُها ، و تنكبُها . . ( س )
هذا وصلوا وسلموا / على صاحب الحوض ، والشفاعة / (( محمدِ بنِ عبد الله )) / صلى الله عليه وعلى آله وصحبه / وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .
اللهم أحيينا ، و أزواجَنا ، و أولادَنا ، و أهلَنا حياةَ السعداء / وأمتنا ميتةَ الشهداء ، و احشرنا يوم القيامة مع النبيين ، والصديقين ، والشهداء والصالحين . .
اللهم انصر مجاهدنا . .
وأغنِ فقيرنا . .
وانصر مظلومنا ..
اللهم ارحم موتانا ، و موتى المسلمين ( ت )
اللهم يا من ردَّ البصر على يعقوب ، وشفى من المرض أيوب ، وألانا الحديد لداود ، وجعل النار برداً ، وسلاماً على إبراهيم ، يا من أضحك ، وأبكى ، وأمات ، وأحيا اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ( ت ) . .
اللهم اهدِ وليَّ أمرِنا / و خذ بناصيته إلى البر ، والتقوى . .
اللهم يسرنا لليسرى ،وجنبنا العسرى ، واجمع لنا بين سعادة الدين ، والدنيا ، والأخرى . .
اللهم اهدنا ، وأولادنا ، و أزواجنا / إلى حفظ كتابِك الكريم / و علمَه ، والعملَ به . .
اللهم كما جمعتَنِي ، وهذه الوجوهِ المباركة / في هذا المكانِ المباركِ الطاهر / اللهم اجعلْ اجتماعي ، واجتماعََهم / و من لنا حقٌ عليه / ومن له حق علينا / في الفردوسِ الأعلى من الجنة ـ يا ذا الجلال ، والإكرام ـ .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .
17 / 1 / 1427 هـ
جامع (( الرضوان ))